لم يعُد الشرق الأوسط كما كان. فالإقليم يشهد تحوّلاً عميقاً في مقاربة الصراعات، مع انتقال عدد من الدول من المواجهة المفتوحة إلى مسارات سلام وتطبيع وتعاون، كانت أبرز تجلّياتها الاتفاقات الإبراهيمية. هذا التحوّل، مهما اختلفت التقييمات حوله، أصبح واقعاً سياسياً قائماً، وفَرَض نفسه كأحد معالم المرحلة الجديدة.
بات هذا الواقع أحد العوامل الحاكمة لمسار الاستقرار والنفوذ في المنطقة، ومن الخطأ التعامل معه كظاهرة عابرة أو ظرفية. كما لا يمكن مقاربته عبر إسقاطات أيديولوجية جامدة، بل يفرض قراءة باردة للتوازنات والمصالح والتحوّلات الجارية في بُنية النظام الإقليمي. فالسياسة في لحظات التحوّل الكبرى تُقاس بالقدرة على التكيّف الذكي، لا بالتمسّك بالشعارات.
لا يكْمن النقاش في صوابية هذا المسار أو محدوديّته، بل في آليات تعامل الدول، ولبنان في طليعتها، مع هذا الواقع من دون إنكار واندفاع، وبما يحفظ مصالحها الوطنية وسيادتها. والتعامل الرشيد مع هذه التحوّلات بات معياراً لقياس جدّية الدول في حماية مصالحها. فالتجارب السابقة أثبتت أنّ الدول التي أخطأت في إدارة التحوّلات الكبرى، إمّا بالرفض المطلَق أو بالانخراط غير المحسوب، دفعت أثماناً سياسية واقتصادية وأمنية باهظة.
وفي الحالتَين، كان الثمن يُدفع من استقرار الدولة لا من رصيد خصومها.
من حيث المبدأ، يشكّل السلام، متى قام على تفاهمات سياسية واضحة وضمانات أمنية متبادلة، خياراً عقلانياً يخدم الاستقرار والتنمية، ويُخفّف من استنزاف الدول في صراعات طويلة الأمد. فالانتقال من منطق الحرب الدائمة إلى إدارة النزاعات بالوسائل السياسية، تطوّر إيجابي بحدّ ذاته، حتى لو اختلفت السياقات والظروف بين دولة وأخرى. بل أثبت الإصرار على منطق الصراع المفتوح، في أكثر من تجربة، عجزه عن حماية الدول أو تحقيق أهدافها.
لا يعني ذلك التسليم التلقائي بكل مسار يُطرح تحت عنوان السلام، بل إخضاعه إلى معيار المصلحة الوطنية الصافية وقدرته الفعلية على إنتاج استقرار مستدام. غير أنّ هذا التحفّظ لا يُبرّر رفض المبدأ ولا الهروب من استحقاق النقاش.
تعكس الاتفاقات الإبراهيمية تحوّلاً في أولويات عدد من دول المنطقة، التي باتت ترى في الاستقرار الاقتصادي والتعاون الإقليمي مدخلاً أساسياً للأمن. وهي، في جوهرها، خيارات سيادية اتخذتها هذه الدول وفق حسابات مصالحها، ولا تمكن مقاربتها إلّا من هذا المنظار.
وتجاهل هذا التحوّل لا يلغي مفاعيله، بل يترك الدول المتردِّدة على هامش القرار الإقليمي. وقد أظهرت هذه الاتفاقات عودة الديبلوماسية إلى صدارة أدوات إدارة الصراع بعد عقود من الغلبة للخيار العسكري. وهي عودة تعكس إدراكاً متزايداً بأنّ الحروب لم تعُد أداةً فعّالة لبناء الاستقرار.
غير أنّ العثرة تكمن في التعامل مع هذه الاتفاقات كنموذج جاهز قابل للاستنساخ. فلكل دولة خصوصيّتها، وإلّا لما كانت المملكة العربية السعودية، على سبيل المثال، قد علّقت أو أخّرت الانضمام إلى هذا المسار نتيجة لما صارت عليه الحال في فلسطين.
يقوم لبنان على تعقيدات سياسية وأمنية لا تسمح بالتعامل مع ملف السلام بمنطق النقل الحرفي. هو لا يزال في حال نزاع قانوني وحدودي مع إسرائيل، ويعاني في الوقت عينه هشاشة داخلية تجعل أي خيار استراتيجي غير توافقي عامل انقسام إضافي. كما أنّ ملف السلام يرتبط بتوازنات داخلية وإقليمية دقيقة، لا تحتمل القفز فوقها أو إدارتها بالشعارات. وتُظهر التجربة اللبنانية أنّ أي قرار مصيري لا يحظى بحدّ أدنى من التوافق الوطني يتحوّل سريعاً إلى عامل تفجير داخلي بدل أن يكون مدخلاً إلى الحل. لكنّ هذه الخصوصية لا يمكن أن تتحوّل إلى ذريعة دائمة لتعليق التفكير بمستقبل لبنان.
لذلك، إنّ أي مقاربة لبنانية لمسارات السلام الإقليمي يجب أن تكون سيادية، تدريجية وتوافقية، تنطلق من مصلحة لبنان أولاً. مقاربة تحمي الدولة من الضغوط الخارجية، كما من الانقسامات الداخلية، وتمنع تحويل لبنان ساحة تصفية حسابات إقليمية. كما تفترض شجاعة سياسية في فتح النقاش بدل دفنه.
السلام في لبنان، تماماً كما الحرب، لا يمكن أن يكونا قرار فئة أو حزب، ولا مشروع محور إقليمي. السلام، لا شك، خيار دولة يُناقش ضمن مؤسساتها الدستورية، وأي تجاوز لهذه القاعدة لا يؤدّي إلّا إلى إضعاف الدولة وتعميق أزمة الشرعية والثقة بين اللبنانيِّين.
لكنّ ذلك لا يعني إطلاقاً تحويل الثوابت الوطنية متاريس سياسية تُستخدم لتعطيل أي نقاش جدّي في مستقبل لبنان وموقعه في الإقليم. فالتمترُس خلف شعارات واهمة وإيديولوجيات صدئة، من دون أفق سياسي واضح، لم يحمِ لبنان، بل ساهم في تعميق أزماته وعزلته، وجعل كلفة الجمود أعلى من كلفة المخاطرة المحسوبة.
كما أنّ تبنّي منطق السلام لا يتناقض مع المطالبة بحل للقضية الفلسطينية. أثبتت التجارب أنّ غياب أفق سياسي للفلسطينيِّين هو أحد أبرز أسباب عدم الاستقرار في المنطقة. لذلك، تصبح أي مسارات سلام إقليمي أكثر متانة واستدامة متى ترافقت مع حل يضمَن قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة، ومع معالجة ملف اللاجئين بما يحفظ المصلحة اللبنانية ويكرّس رفض التوطين. فلبنان، بحُكم تركيبته الديموغرافية الهشّة، معنيّ أكثر من غيره بأن تكون أي تسوية عادلة.
السلام الإقليمي خيار واقعي تفرضه تحوّلات المنطقة، لكنّه في الحال اللبنانية لا يمكن أن يكون إلّا سلام الدولة. سلام يحمي السيادة، لا ينتقص منها، ويُدار بعقل بارد ومسؤولية وطنية، لا بردود فعل أو حسابات ضيّقة. هو سلام يُبنى بالتراكم.
لبنان ليس معنياً بأن يكون خارج التاريخ. المطلوب بإلحاح مقاربة متوازنة، تعترف بالتحوّلات الإقليمية، من دون التفريط بالخصوصية اللبنانية، وتفتح نقاشاً وطنياً هادئاً حول المستقبل، بدل البقاء أسرى الانقسام والتعطيل والتخوين.
نقاش السلام، مهما كان حساساً، يبقى أقل كلفة من الصمت عنه. نقاش المستقبل، مهما كان صعباً، يبقى أقل كلفة من الهروب منه.